ابن عجيبة

223

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي : شرك وَيَكُونَ الدِّينُ خالصا لِلَّهِ بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد ، فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم ، فلا تعتدوا ؛ فإنه فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم . القتال الصادر منكم لهم في الشَّهْرُ الْحَرامُ في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم في الشهر الحرام ، وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ يقتص بعضها من بعض ، فكما انتهكوا حرمة الشهر الحرام ، بمنعكم من البيت ، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه . فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ بالقتال في الأشهر الحرم ، أو في الحرم فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تنتصروا لنفوسكم ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالحفظ والتأييد . وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ في جهاد عدوكم ، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه فتلقوا بِأَيْدِيكُمْ أي : بأنفسكم إِلَى التَّهْلُكَةِ أي : الهلكة فيستولى عليكم عدوكم . روى عن أبي أيوب الأنصاري ( أنه كان على القسطنطينية ، فحمل رجل على عسكر العدو ، فقال قوم : ألقى بيده إلى التهلكة ، فقال أبو أيوب : لا ، إن هذه الآية نزلت في الأنصار ، قالوا - لما أعز اللّه الإسلام وكثر أهله - : لو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها ، فأنزل اللّه فينا وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، وأما هذا فهو الذي قال فيه اللّه تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ . . . . ) أو : ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة ، أو الطمع في الخلق ، ولكن القصد ، وهو الوسط . وَأَحْسِنُوا بالتفضل على المحاويج والمجاهدين إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فيحفظهم ، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة . الإشارة : اعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة : النفس والشيطان والدنيا والناس . فمجاهدة النفس : بمخالفة هواها ، وتحميلها ما يثقل عليها حتى ترتاض ، ومجاهدة الشيطان : بعصيانه ، والاشتغال باللّه عنه ، فإنه يذوب بذكر الله ، ومجاهدة الدنيا : بالزهد فيها ، والقناعة بما تيسر منها ، ومجاهدة الناس : بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار . فيقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ويصدونكم عن حضرته ، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكرى ، والإقبال علىّ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط ، فإذا ظهرت صورة النفس أدبها ، ثم غاب في اللّه عنها ، وكذلك بقية القواطع .